جرافيتي على الحائط الأحمر

هل تذكر ذلك المقهى ؟ .. ذلك الركن الذي أهداه الينا الزمان لنركن اليه ونلتقط عنده انفاسنا. ذلك الحضن الذي كنا نرتمي فيه صباحاً ونلقي فيه بهموم الليل و يفضي أحدنا للآخر بأي شىء وكل شىء، ثم نخرج منه وقد أصبحنا أخف و أرق و ألطف مما كنا عليه

أقسم أني لم أعرف طعماً للقهوة كتلك التي شربتها معك… كتلك التي صنعتها معك، وقرأت لك على قطراتها أشعاراً و نسجت معك عليها أفكاراً .. لم أعد أكتبها أو أحلم بها.

واليوم قادتني الصدفة إلى حيث يقع مقهانا، بعد أن تجنبت أن أمر بجواره لفترة طويلة لأني عرفت أنهم غيروه و أغلقوه على أسرارنا وحياتنا الوهمية التي عشناها فيه لدقائق كل صباح. والآن ربما يعدونه لتغيير جديد ففتحوه، لكن لدهشتي بقي فيه شىء واحد على حاله !  ذلك الحائط الذي كنا نجلس إلى جواره، بقي كما هو بنفس لونه الأحمر المخضب بجرافيتي حواراتنا و أمانينا

هل تذكر يوم كنت أمازحك بأنني يوماً ما سآخذ ذلك الحائط معي لأنني كثيراً ما كنت أشير اليه – كعادتي و أنا اتحدث- و أتخيل أني أكتب عليه و أشرح لك أشياء كثيرة عليه… كان لي… كنت لي

لم أتوقع أن يبقوا عليه .. ليتهم مافعلوا، فقد رأيته و رأيتنا عليه… وكلماتنا عليه … وقهوتنا المسكوبة تنساب عليه. لقد ظننت أن الجرح قد اندمل.. و أن القهوة قد بردت.. وأن الزمن كفيل بالنسيان

لم يندمل الجرح … وقهوتنا اسطورة … وكل من سواك أقزام … ونسيانك مستحيل 

زهرة لوتس

السنوات الثلاث… فهل من مزيد

وصلتني اليوم تهنئة من هذا الموقع بمناسبة مرور ثلاث سنوات منذ سجلت مدونتي فيه للمرة الأولى. لا أصدق أن ثلاث سنوات مرت هكذا كلمح البصر. لكنها ولا شك من أفضل وأحب السنوات في عمري كله، اذ لا اذكر أني اتيحت لي الفرصة لأعبر عن نفسي واسعدها كما فعلت هنا ولم يسمعني ويشعر بي من قبل هذا الكم من الأصدقاء الذين لم يجمعني بهم مكان ولم نجتمع إلا على حب الكلمة والإحساس الصادق بها والتفاعل الراقي الذي ليس من وراءه شىء. ولكم كل الشكر على ذلك وأكثر

بقدر ما سعدت بتلك التهنئة الالكترونية التي لم تنبع من قلب أحد، وانما من داخل اجهزة مبرمجة لا قلب لها ولا يعنيها من أكون ! … إلا أنني صراحة فزعت قليلاً لأكثر من سبب. الأول لمرور هذه السنوات وكأنها سرقت مني برغم ما مر فيها من احداث هامة على الصعيد الشخصي فوجدتني في مواجهة سرد لها ولتبعاتها رغماً عني. والثاني لأني اكتشفت أني وضعت في هذه المدونة قطعة من قلبي بكل ما فيها من مشاعر وآمال وذكريات، وهذا ما أراه خطيراً بعض الشئ. فأنا في هذه المحطة من حياتي  لم أعد أريد التعلق بشىء أو بشخص بعينه،  الكل يخذلك في مرحلة ما من الرحلة

أما السبب الثالث فلأني مر بخاطري انسان غالي هو من علمني كيف أدون  وكيف أغرد ، ثم جرفته أمواج حياته إلى شاطئ بعيد. أتمنى أن يكون سعيداً كما يريد وأن يكون قد وصل إلى ما يريد. أشكره على ما فعله بي … وأتمنى ألا يعود

زهرة لوتس

 

لم يكن وهماً

“في حياة كل منا وهمُُ كبير اسمه الحب الأول” .. هذه العبارة الشهيرة للكاتب الرائع احسان عبد القدوس تتردد في الأذهان كلما ورد الحديث عن أول حب .. لكن عذراً سيدي،  فحبي الأول لم يكن وهماً ! ..

الحب الذي يستحق لقب “الأول” .. هو في رأيي ذلك الذي يدخل القلب فيطبع عليه البصمة الأولى التي لا تنمحي بعدها أبداً.  يختمه بختم السِحر، ويغير خارطته و يرسم مسارات العواطف والانفعالات فيه. يمرر تلك المشاعر من هنا ، ويخلق موجة عشق هناك.  اصبحت مسارات يتبعها من  دخل للقلب من بعده، اذ قد لا يكون الأخير، بل انه دائماً ليس الأخير..انما يقولون أن الجرح الأول هو الأعمق.

هو الحب الذي يترك لك مع تلك البصمة .. ذكرى .. التي ليست كمثلها ذكرى !! . فذكراي  كلما مرت بخاطري ..ابتسمتُ وتذكرتُ جمال ملامحه ، و حلاوة أيامي معه  وتناسيت سبب فراقنا، لم يعد يهم الآن بعد كل هذه السنين، ولا أرغب في أن أكدر بهجة ذكراه بالأسف على فراقه. وأدركت لما لن تعوض تلك الذكرى مع غيره.. لأني استودعت بين يديه أجمل سنين عمري وذكريات الصبا، تلك التي اذا ذهبت لا تعود.  يوم لم أكن أعرف من الدنيا إلا هو، ولا يشغلني عنه إلا هو. ولأن دوام الحال من المحال، فكما صهرتني تجربتي .. صقلته تجاربه، أنا تغيرت  وأظنه قد تغير أيضاً .. لكن تبقى الذكريات كما هي ، تلك التي نجري عليها لنحتمي بها ونفتش عن انفسنا فيها يوم يفرغ حاضرنا من الحب والدفء والأمان. 

إن ذكرياتنا هي احد مصادر ثرواتنا التي ندخرها للزمن .. مضمونة ، لا يتلاعب بها أياً من عوامل الدنيا .. دائماً في متناول يدك أو عقلك في أي وقت. وأيضاً تزيد مع الزمن، تزيد غلاوة بالتأكيد.  والأجمل.. أنها ما زالت تداعب نفس البقعة من القلب كلما طفت على السطح !.

زهرة لوتس

نفس المكان

تتغير مشاعرنا بتغير اعمارنا و تجاربنا وتعاقب الآشخاص علينا.  ويتغير الزمان .. نعم ولا حيلة لنا فيه.. ولكن ماذا عن تغير المكان، وإن بقيت  مكوناته و أشخاصه كما هي.. فإن تَغَير احساسك بما فيه ومن فيه، أصبح مكاناً آخر .. اختلفت ابعاده و اختفى منك ذلك الشعور الذي كان يداعب قلبك فيه.. هل يمكن لنفس الجدران الأربع أن تصبح أربعة أخرى ، تحمل نفس اللون واللوحات لكن لا تحمل من شعورك القديم بها من شىء.

هناك من حدثني ذات مرة بأن الجدران التي نراها جماداً نبنيه ونهدمه .. ما هي الا كائن حي، يعيش معنا احلى لحظاتنا واحلكها.. يسمعنا .. ويستمتع حيناً ويتألم حيناً لخطوطنا التي نبتليه بها.. بل أنه قد يحزن لفراقنا اياها.. وهناك من الاصدقاء من فتنته اللوحة الصامدة على أحد الأبواب الأثرية بالقاهرة بعنوان “قراءة الحوائط”  وجعلته يكتشف مصر كمكان جديد.. تلك اللوحة التي ترشدك إلى انك تستطيع أن تميز بين الطبقات القديمة والحديثة لحوائط الأماكن الأثرية بعد ترميمها.. وتحكي لك تركيبة كل طبقة عن حكايات عصرها الذي عاشته وترك عليها ما ترك من ذكريات ونقوش.. وتظل منتظرة زوارها  يقرأها من يقرأ .. ويمر الآخر عليها مرور الكرام دون أن تحركه.

أظنها ليست الأماكن بحد ذاتها.. ولا الجدران بتقاسيمها.. ولا من فيها بأعينهم.. بل بالنفس التي نحملها بين جنباتنا عندما نطأها .. كيف كنا .. و كيف اصبحنا.. تأثرتُ وانا ادخل ذلك المكان الذي دخلته عشرات المرات و كانت تغمرني السعادة فيه… لم تعد تغمرني .. شيئاً قد تغير !

زهرة لوتس

صمتك صوتاً

 

صوتــك أم صمتــك..  أيهمــا أُحِــــب

صوتُ يطوي الألـــم

وينطق بحروف الحب

أم صمتُُ يهمـــس

ويداعب دقات القلب

صوتك أم صوتــــي

نروي أحلاماً لم ترها العين

نذكر أفراحاً .. أحزاناً

كم عاشت بين القلبيـــــن

تقرأ صفحاتي.. أسمعك

أقرأك … ملء الشفتيــــن

نضحـــك أو نبكــــي

أو نرشف رشفة .. بل اثنين

فليخفت صوتك أو يعلو سيعود صداه

لا اعرف كيف أو من أيـــن

(زهرة لوتس)