في بيتنا قارىء

newbook2

قرأت أول كتاب في حياتي عندما كنت طفلة، كان رائعة أنيس منصور “حول العالم في 200 يوم” ومن بعدها انفتح عالم القراءة في حياتي واصبحت قراءاتي هي ملاذي الذي آوي اليه كلما أغلقت الدنيا صفحاتها في وجهي. بل واصبحت لي طقوسي الخاصة عند قراءة الكتب من فرط اعزازي وتقديري لكل كلمة مكتوبة.

رافقتني كتبي أينما حطت رحالي، وتنوعت مجالات قراءاتي على مر السنين والأحداث إلى أن رزقني الله بالأبناء، فتضاءلت السطور التي اقرأها لانشغالي بتربيتهم. وها هم الآن كبروا واصبح لكل منهم هواية فنية أو رياضية أو حتى مطبخية ! .. لكني لم استطع اغواءهم بقراءة كتب غير الكتب الدراسية – التي تُقرأ على مضض- أو قراءة مقالات غير التي يتداولونها على المواقع الاجتماعية وتحوي موضوعات تافهة في نظري انا طبعاً. الا اني لم افقد الأمل، وكنت اعلم أن وجود الكتاب في مكتبة البيت لابد و أن يؤثر فيهم بشكل أو بآخر.. ربما لم يحن الوقت بعد. كنت اناقشهم في بعضٍ مما اقرأه، أو أدعوهم لمشاهدة فيلم في السينما نكون قد تحدثنا عن قصة كتابه قبل ان يصبح فيلماً، وكنت آخذهم معي للمكتبات وانا اشتري الكتب ليروا بأنفسهم أن هناك الكثيرين من محبي القراءة يطوفون بكل حب في هذا المكان.. طبعاً مع كل الضجر والململة التي تصيبهم من مشوار كهذا لا يناسب اهتماماتهم. لم أيأس ولم اتراجع عن أن أجعلهم يتذوقون نفس الحلاوة التي تغمرني مع الكتب، وكأن ضمير الأم داخلي يؤنبني على انانيتي بالاستئثار بشىء حلو دون ان أقتسمه معهم.. واقول لنفسي ربما لم يحن الوقت بعد.

ثم بدون سابق انذار، فاجأني ابني بعد زيارة غير مخطط لها لإحدى المكتبات بأن اشترى كتاباً ليقرأه.. أخيراً آتت جهودي ثمارها.. بذرة زرعتها منذ زمن وانبتت الآن فقط. أتاني ونظرة فخر ممزوجة بالتردد في عينيه وهو يحمل الكتاب بسعادة.. نظرته تلك تساوي عندي الكثير. أعرف أنه قد يمل بعد عدة صفحات، وقد لا يكمل الكتاب لنهايته، وقد تطول الفترة بين هذا الكتاب و كتاب آخر يليه. لكن المهم أنه بدأ في ادراك أهمية البحث عن الالهام القابع بين صفحات الكتب.. فعنوان الكتاب الذي اختاره -واختلست صورته هنا- يوحي بذلك. قرر أخيراً أن يفتح نافذة جديدة غير الكمبيوتر ليطل منها على الدنيا.. فقد حان الوقت.. ليقرأ !

زهرة لوتس

فوضى الحواس

Fawda7awas

صدر كتاب “فوضى الحواس”  في عام 1997 وكان ضمن سلسلة من ثلاثة قصص هي “ذاكرة الجسد” و “فوضى الحواس و” عابر سرير” للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي. بالطبع فصلت سنوات بين صدور كل منها. وقد قيل لي وقت أن قررت قراءة كتابها فوضى الحواس أن هذه الكتب الثلاث يجب أن تقرأ بترتيب معين حتى تكمل صورة قصة واحدة مترابطة. صراحة لم استطع مقاومة قراءة فوضى الحواس أولاً.. شيء ما في عنوانه جذبني من أطراف حواسي لأبدأ بقراءته دون غيره.

تدور أحداث قصة “فوضى الحواس” في الجزائر وتحديداً في الفترة التي أريق فيها من دماء الجزائريين الأبرياء أكثر ما أريق من دماء الارهاب حول العالم.. وقتها لم يعرف القاتل فيما قََتَل ولا المقتول فيما قُتِل.. ومن وسط المحن والم الفقد تنبت زهرة الحب .. تلك الزهرة بالذات التي لا تنبت الا في حضن المآسي.. أو تنبت على هامش زواج فاشل وبارد ومستمر .. تلقاه في احلامها .. ثم يلقاها في يومها وليلها وافكارها حتى يسكنها و يحول شغفها به الأشياء من حولها إلى كانئات حية تحادثها وتسمعها وتشم عطر حبيبها وتصحو على صوت افكاره أو صوت صمته.. وتحلل كل رشفة قهوة يرتشفها وتترجم كل سحابة دخان ينفثها..

تحملنا الكاتبة بين صفحات كتابها بأسلوب جرىء .. يتدفق بأنوثة لا حدود لها .. وأنا أعني كلمة ” لاحدود لها”.. فقد احمر وجهي عند بعض الصفحات .. وعرفت كيف يمكن أن تسود الحواس نوعاً من الفوضى…. وكيف يمكن أن تعم العفوية علاقة ما إلى حد يصل بك في بعض الصفحات أن تفقد الطريق بين الحقيقة والخيال.. وبين ما قيل على لسان أبطال القصة أو ما كانت تريده هي أن يقول.. ومن هنا يأتي جمال عنوان كتابها.. هل انا اسمع ما تقرأه عيناي من عمق معاني الكلمات وروعة وصفها للتفاصيل الانسانية بمنتهى الانسيابية ..  أم أني أتذوق حلاوة المناظر الرائعة التي تصفها بعين الفنان الحساس الذي يرى بقلبه..

كلماتها تلبس رداء الأنثى الجميلة .. الأنثى حين تحب ، وحين تفتقد، وحين تهيم وراء غرائزها ، الآنثى حين تتملكها انوثتها وتحركها بقلم الرائعة احلام مستغانمي التي تترك دفترها مفتوحاً بالليل لعل قلمها يخط شيئاً ما اذا ما خلدت للنوم. هي قصة حب لا تشبه قصص الحب الاخرى يحمل بطليها حلماً لا يتحقق ..وحديث لا يُنطَق .. و في الخلفية رثاء لكل الشهداء. من أجمل الأقلام التي تصف الألم فيوجعك .. وتصف الشهوة والحب بحرارته.. فتحملك إلى ما لا عنوان له أو وصف.

تنتهي القصة بنهاية مفتوحة.. وبالرغم من كرهي للنهايات المفتوحة.. إلا اني لم اشعر حتى انها انتهت من فرط ما عشت معها في شوارع حكاياتها وتنقلت معها بين مشاعرها و اذهلتني تعبيراتها التي لايكتبها غيرها.. أتراها وحدها تشعر بها بهذا الصدق والتميز !!

لقد احدثت بنفسها فوضى للحواس حين أحبت بهذا العمق وكتبت بهذه الرشاقة. فكرت أن أنقل بعض مقاطع الكتاب هنا.. لكني سأبخسها حقها إن لم تُقرأ كاملة ضمن سياق القصة من البداية …وإلى ..ما لا نهاية.

زهرة لوتس