Posted in قصاقيص

لست وحدك

ساقتني ظروف عملي إلى حضور معرض اقيم على هامش المؤتمر الدولي للتوحد. والتوحد لمن لا يعرف هو مرض يصيب الأطفال من عمر الثالثة ويؤثر في نموهم العصبي وينعكس على ضعف تواصلهم مع البيئة المحيطة بهم

لم اكن اعرف ان المصابين بهذا المرض عددهم كبير بهذا الشكل ! فقد جاءوا من عدة دول يتلمسون الأخبار و الأساليب التي يقترحها المتخصصون في هذا المجال لتسهيل اندماج هذه الفئة ضمن مجتمعهم والعمل على تخفيف اعراض المرض بقدر الامكان… اذ لا شفاء له على حد علمي، والله أعلم

كان مما اثر في نفسي خلال فعاليات هذا المعرض هم الأهالي… أهالي المرضى بالتوحد الذين رأيتهم يتجولون في ارجاء المعرض من شركة الى مركز الى مختبر ، أظنهم يبحثون عن اجابة لأسئلتهم القابعة في احضانهم حبيسة قلوبهم المنفطرة على ابنائهم ! سؤال واحد تراه على وجوههم جميعاً … و ماذا بعد؟

فعلى ما يبدو أن كلهم قد مروا بنفس مراحل العلاج و التأهيل و دور الرعاية المتخصصة… ثم ماذا بعد؟  فقد توقف التطور والتحسن في الحالة عند مرحلة معينة لا يتقدم كثيراً بعدها خاصة فيما يتعلق بتواصل و تفاعل المريض مع المجتمع . لقد كانت لحظة صعبة التي وقعت فيها عيني على بعض الأهالي وهم تملأ عيونهم الحيرة و تستتر خلف ملامحهم الحسرة ، وتتعالى أصواتهم بنفس الاستفسارات … كلهم يحملون الألم نفسه في أصواتهم وفي نظرات عيونهم، ولكن لم ينقطع منهم الأمل في أن الغد ربما يحمل لهم أي جديد

و على جانب آخر، رأيت هؤلاء الذين يسعون وراء الربح والبيزنس و البوفيه المفتوح والعصائر، يشدون الأهالي المكلومين إلى مقرات شركاتهم ومراكزهم ليعرضوا بضاعتهم البائرة التي لا يمت بعضها بصلة لا من قريب ولا من بعيد إلى التوحد. ثم يتقاتلون على التصوير والتصريحات الصحفية والتليفزيونية دون مراعاة لمشاعر زوار المعرض من الأهالي الذين كانوا يتوارون على استحياء من الكاميرات و الميكروفونات

 ساعتان فقط هي المدة التي قضيتها بين اروقة ذلك المعرض… ولكن الآثر الذي تركه على نفسي كان بمقدار عمر كامل مر بي كالطيف… كآلة الزمن نقلتني من حقبة الى حقبة تمكنتٌ فيها من اختراق اجساد البشر و رؤية قلوب ونفوس تجردت من زيف الحياة و لم يبق فيها إلا الحقيقة … وكل شجاعة الدنيا لمواجهة هذه الحقيقة. رأيت ألماً أكبر بكثير من ألمي ، وهموماً تضاءلت أمامها همومي التافهة التي كدرت حياتي. رأيت أناساً يحملون على عاتقهم مسئولية تنوء بحملها الجبال ، ومازالت البسمة تعلو شفاههم و تملأ السكينة نفوسهم. هي أقدارهم و رأيتهم كيف يمتثلون لها بكل الصبر والرضا

إليكم أقول … إن كان ما أقول ذا قيمة أمام قاماتكم … لستم وحدكم فيما تحملون، فهناك قلوب تشعر بكم وبألامكم وتنحني جباهها أمام عِظَم آمالكم التي أتمنى أن تتحقق كلها. لعلها ستتحقق يوماً ما من شدة ايمانكم بها

زهرة لوتس